السنة ومكانتها في العقيدة

كتبهاابراهيم الديبو ، في 23 كانون الأول 2005 الساعة: 00:34 ص

مكانة السنة وأهميتها في مسائل العقيدة:< ?xml:namespace prefix = o ns = "urn:schemas-microsoft-com:office:office" />

كثرت المؤلفات حول السنة ومكانتها في التشريع وحجيتها في الاستدلال على المسائل الفقهية ، إلا أن هناك جانبا لم يلق نفس الاهتمام وهو أهميتها في مسائل العقيدة؛ ولذلك أسباب تعود في مجملها إلى حجية السنة في المسائل العقدية، سأحاول في هذه المبحث بيان بعض المجالات التي يمكن الاعتماد فيها على السنة، وذلك بعد التعريف بالسنة ومكانتها:

 

أولا: السنة والحديث والعلاقة بينهما:

قبل الحديث عن السنة ومكانتها لابدَّ من الوقوف عند تعريفها وبيان العلاقة بينها وبين الحديث ، فالسُنَّة في اللغة تطلق على الطريقة والسِّيرة والعادة، وجاء في معاجم اللغة أنَّ السنَّة في الأصل هي سنَّة الطريق، وهو طريق سنّه الأوائل من النَّاس ثمَّ صار مسلكًا لمن جاء بعدهم، و سنَّةُ الله أحكامه وأمره ونهيه، وسنَّها الله للناس بيّنها، وسنّ الله سنَّة أي بيّن طريقا قويمًا([1])، أما السنَّة في الاصطلاح فلها تعريفات عدَّة ، وهي مختلفة بين أهل الفقه والأصول والحديث ، كل عرفها حسب اختصاصه :

- السنَّة عند الأصوليين: هي ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير([2])، فهي تشتمل على الأحاديث التي قالها النبي صلى الله عليه وسلم في مختلف الأغراض والمناسبات ، وعلى الأعمال التي قام بها الرسول صلى الله عليه وسلم، كأداء الصلوات الخمس وأداء مناسك الحج ، كما تشتمل على إقراره صلى الله عليه وسلم لقول أو فعل شهده أو سمع به إما باستبشاره واستحسانه، أو بإقراره وعدم إنكاره.

- السنَّة عند الفقهاء :  هي ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير افتراض ولا وجوب، وتقابل الواجب وغيره من الأحكام الخمسة ([3]).

- السنَّة عند المحدثين وأهل السيرة : هي ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلقية أو خُلقية أو سيرة ([4]). فالسنة بهذا التعريف أشمل التعريفات ؛ لأن المحدثين أدخلوا في تعريفها كل ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم، بينما قصرها الأصوليون على ما يترتب عليه فعل وتكليف فأخرجوا الصفات الخَلقية والخُلقية من تعريفها ، بينما قصرها الفقهاء على ما يقابل الواجب وهو أحد الأحكام الخمسة التي يرجع إليها الحكم التكليفي.

وهنا يرد سؤال عن العلاقة بين السنة والحديث وهل هما بمعنى واحد بينهما توافق من كل وجه ، أم بينهما عموم وخصوص ؟ لمعرفة ذلك لابد من معرفة المراد بالحديث في اللغة والاصطلاح :

الحديث لغة: هو نقيض القديم ، أي: الجديد ، وهو اسم من التحديث ، ويجمع على أحاديث على خلاف القياس([5]).

الحديث اصطلاحا: ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة ([6]).

فالمعنى اللغوي كما هو واضح روعي فيه المقابلة بين القرآن وبين ما ينسب للنبي صلى الله عليه وسلم ، فالقرآن قديم لأنه كلام الله تعالى وصفة من صفاته ، أما الحديث فهو حادث ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فالحديث بهذا المعنى مرادف للسنة عند المحدثين فهما اسمان لمسمى واحد ، لأنَّ موضوعهما النبي صلى الله عليه وسلم من جهة كونه نبيا وموحى إليه، فكل ما صدر منه من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو خُلقية، فهو السنَّة وهو الحديث ، وقد نشأ لذلك علم خاص سمي بعلم الحديث وهو نوعان: علم الحديث رواية ، وعلم الحديث دراية ، فالأول يهتم بالرواية والنقل، والثاني يهتم بالتوثيق ومعرفة حال الرواة.

 

 

ثانيا: مكانة السنة:

من المعلوم أنَّ القرآن والسنَّة هما أصل الدين وركناه الأساسيان، فالله تعالى أنزل القرآن هدى للمتقين، ونبراسًا لمن أراد لهم الهداية الفلاح ، وأرشدهم إلى تدبر آياته والتفكر في معانيه، والإيمان بمحكمه ومتشابهه وما جاء فيه من عقائد وأخبار، والعمل بشرائعه وأحكامه؛ ذلك أنَّه كلام الله تعالى المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم الموحى به لفظًا ومعنى.

فالقرآن قد اشتمل على الإيمان بالله ووحدانيته ورسله وكتبه وملائكته واليوم الآخر، كما اشتمل على التشريع والآداب ، والقصص والترغيب والترهيب وغيرها، وهو في كل ذلك مقطوع بصحته إجمالا وتفصيلا، وتلقته الأمة بالقبول اعتقاداً وعملا، واستدل به العلماء في العقيدة والأحكام والآداب والأخلاق ، وفي جميع المجالات المعرفية التي تكلَّم عنها القرآن تفصيلا وتصريحًا أو إشارةً وتلميحًا، وتاريخ المسلمين وتراثهم المعرفي شاهد صدق على ذلك.

فالصحابة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يستفيدون أحكام الشرع وعقائد الإسلام من القرآن الكريم الذي يتلقونه عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فالرسول يبلغهم ما نزل إليهم من ربهم، ثمَّ يبيّن لهم ما يحتاجون إليه من إيضاح وتبيين، ويفصِّل لهم ما يحتاج إلى بيان وتفصيل، وهي رسالته التي جاء بها ومهمته التي أخبره الله تعالى عنها بقوله: ­] وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [ [ النحل: الآية 44]، والصحابة ومن جاء بعدهم من المسلمين الصادقين يقبلون ذلك منه؛ لأنَّهم مأمورون باتباعه وطاعته والأخذ عنه، وهم يعلمون أنَّ طاعته هي طاعة لله ، وأنَّ أوامره من عند الله تعالى، وقد عرفوا كلَّ ذلك من كتاب الله تعالى الذي يقرؤون فيه قوله تعالى: ] وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا البَلاغُ المُبِينُ [ [ المائدة: الآية 92] وقوله: ] وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ [[ الحشر: الآية 7]، وقوله:  ] مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً [ [ النساء: الآية80]. 

فطاعتهم للرسول هي طاعة لله الذي وضعه بهذا الموضع، فأعلى من مكانته، وأوجب اتباعه وحرَّم معصيته، وفي هذا المعنى يقول الشافعي: ” وضع الله رسولَه من دينه وفرضه وكتابه الموضعَ الذي أبانَ جلَّ ثناؤه أنَّه جعله علمًا لدينه بما افترض من طاعته وحرَّم من معصيته، وأبان فضيلته بما قرن من الإيمان برسوله مع الإيمان به، فقال تبارك وتعالى : ] فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ [[ النساء: الآية 171 ] وقال: ]  إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَذِين آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [ [ النور:الآية 62 ]… ففرض الله على النَّاس اتباع وحيه وسنن رسوله ” ([7]).

فالرسول مبلِّغ عن الله تعالى كلامه وهو القرآن ، ومبيِّن لمقاصد الشريعة وحدودها ومراميها ونهجها، وذلك بالسنَّة التي سنَّها؛ فهو أدرى النَّاس بكلام الله ومقاصده وأحكامه وتشريعاته، وما فيه من عقائد وأحكام وقواعد ونظم ، فسنَّته شارحة ومبيِّنة ومفصِّلة، فالوحي ينزل والرسول يبلِّغ، والقرآن يحكي والرسول يشرح ويوضح، والعقائد تنزل والرسول يؤكِّد ويفصِّل، والأحكام تتوالى والسنَّة تشرح وتخصِّص، فالسنَّة بهذا :

 

 “جاءت موافقة للقرآن الكريم، تفسِّر مبهمه وتفصِّل مجمله، وتقيِّد مطلقه وتخصِّص عامَّه ([8])، وتشرح أحكامه وأهدافه([9]).

وقد أوضح الشافعي في الرسالة مكانة السنَّة وموقعها من الدين، فقال: “وسنَّة رسول الله مبيِّنة عن الله ما أراد، ودليل على خاصِّه وعامِّه، ثمَّ قرن الحكمة بها بكتابه فأتبعها إيَّاه ، ولم يجعل هذا لأحد من خلقه غير رسوله ” ([10]).

ثمَّ أوضح الشافعي خلاف العلماء حول سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهل تستقل بالأحكام أم لا ؟ فأوجز ذلك وأجمله بقوله : ” وقد سنَّ رسول الله مع كتاب الله، وسنَّ فيما ليس فيه بعينه نصُّ كتاب “، ثمَّ ذكر مذاهب العلماء وموقفهم من السنَّة فقال: “ فلم أعلمْ من أهل العلم مخالفًا في أنَّ سننَ النبيِّ من ثلاثة وجوه، فاجتمعوا على وجهين، والوجهان يجتمعان ويتفرَّعان: أحدهما ما أنزل الله فيه نصَّ كتاب فبيَّن رسول الله مثلَ ما نصَّ الكتاب، والآخر ممَّا أنزل الله فيه جملة كتاب فبيَّن عن الله معنى ما أراد، وهذان الوجهان اللذان لم يختلفوا فيهما، والوجه الثالث: ما سنَّ رسول الله فيما ليس فيه نصُّ كتاب، فمنهم من قال: جعل الله بما افترض من طاعته وسبق في علمه من توفيقه لرضاه أن يسنَّ فيما ليس فيه نصُّ كتاب، ومنهم من قال: لم يسنَّ سنَّة قط إلا ولها أصلٌ في الكتاب، ومنهم من قال: بل جاءت به رسالة الله فأثبت سنَّته بفرض الله ..” ([11]).

فهذه الأقوال التي نقلها الشافعي عن السنَّة ومكانتها واختلاف العلماء حول استقلالها بالتشريع أو كونها شارحة ومبيّنة لأصل ثابت في القرآن، تبرز مكانة السنَّة ومنزلتها من القرآن، فهي قد تأتي بما يوافق القرآن دون زيادة عليه في المعنى ، وبذلك تقرِّر ما قرَّره القرآن، وقد تأتي مبيِّنة لما أجمله القرآن فهي شارحة ومفصِّلة ، وهذان الأمران لا خلاف فيهما بين العلماء، أمَّا القسم الأخير فهو أن تأتي السنَّة بأمر لم يأتِ به القرآن وهو موضع اختلاف العلماء، إلا أنَّ الاختلاف بينهم ليس في كونه مقبولا وحجَّة بل في جهة الحجية، هل هي من أمر الله لنا باتباع النبي صلى الله عليه وسلم والأخذ عنه، أم من كون ما يأتي به لا يخرج عن الآيات التي جاء بها القرآن ، أم من حفظ الله لنبيِّه وتوفيقه له بحيث لا ينطق إلا حقًا ولا يقول إلا صدقا ؟.

فالعلماء كلُّهم متفقون على قبول ما جاءت به السنَّة ، ولا أدل على ذلك من اهتمامهم بها اهتمامًا استنفد جهودهم في الدفاع عنها، وشغل أوقاتهم في  تدوينها وروايتها وحفظها وصيانتها،

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “السنة ومكانتها في العقيدة”

  1. بارك الله فيك
    وجعل ما قدمت بميزان حسناتك خير
    تقديري وشكري



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر