الصيام وأثره في تغيير السلوك
كتبهاابراهيم الديبو ، في 23 كانون الأول 2005 الساعة: 00:36 ص
الصيام وأثره في تغيير السلوك < ?xml:namespace prefix = o ns = "urn:schemas-microsoft-com:office:office" />
الصوم له آثار على الصحة الظاهرة، صحة البدن والجوارح، وله كذلك أثر على الصحة الباطنة، أي صحة القلب والنفس والروح، وقبل ذلك كله هو عبادة خالصة لله تعالى، تربي في نفس الصائم معنى التقوى، وترتقي بسلوكه وتهذبه.
فهو يعوّد المسلم أن يكون منضبطا في كل سلوكياته، فهناك وقت للصوم ووقت للإفطار ووقت محدد ومخصص لرمضان لا يجوز تقديمه أو تأخيره ، كما لا يجوز للصائم أن يفطر قبل دقيقة واحدة قبل غروب الشمس ، ولا يجوز أن يتناول الطعام بعد طلوع الفجر ولو بلحظة واحدة.
وللتعبير عن كل تلك المعاني استعمل القرآن كلمة التقوى فقال تعالى:} يا أيُّها الذينَ آمنوا كتبَ عليكمُ الصيامُ كما كتبَ على الذينَ من قبلكم لعلكم تتقون{ ( البقرة: 183) فالتقوى كلمة جامعة ، والفعل هنا لم يذكر معمولُه مما يدل على العموم، فالصائم يتقي الله بصومه أي: يراقبه ويحذره ويأخذ كل ما يقيه من عذاب الله تعالى، وهو أيضا يتقي شهواته وأهواء نفسه، أي أنه:
· يتقي الله تعالى ويراقبه ، وهذه عبادة ومقام عال رفيع وهو مقام الإحسان.
· يتقي الظلم والغش والفحش والسوء .
· يتقي بصومه الأمراض فالصوم علاج وقائي لكثير من الأمراض ، وأصبحت طريقة العلاج بالصوم معروفة ويرشد إليها الأطباء.
· يتقي الشهوات المنحرفة في النفس ، وذلك بتهذيبها وتنظيمها كي لا تشوش على المسلم فتشغله عن العبادة والعمل.
· يتقي عدوه وذلك بإعداد نفسه إعدادا صحيحا وتهيئتها تهيئة كاملة.
فالصوم لا يقتصر أثره ونفعه على صاحبه فحسب؛ بل يتعداه إلى غيره، فلو لم يحصن المسلم نفسه بالصوم ولم يأخذ بأسباب القوة التي تحفظه وتقيه من نفسه ورغباتها الجامحة فهو ضعيف وعاجز عن حمل رسالة الهداية.
فالشهوات التي ركبت داخل الإنسان وهي جزء من جبلته البشرية شرع لها الإسلام مسلكا ينسجم مع منظومته الأخلاقية، فهو قيَّدها ولم يطلقها ، وهذبها ولم يحاربها ، فقد لا يتيسر للمرء في سن معين أو ظرف خاص أن يشبع هذه الغرائز ولو تساهل في ذلك ظلم نفسه واعتدى على غيره وشرع لنفسه مسلكا يعارض الفطرة والمنظومة المتكاملة للإسلام، ولو أنَّه كبتها ولم يشبعها من طريق صحيح شوشت عليه في عمله ودراسته وربما تسببت في أمراض نفسية، لذلك كانت نصيحة النبي صلى الله عليه وسلم للشباب: (( يا معشرَ الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوَّج ومن لم يستطعْ فعليه بالصوم فإنَّه له وجاء))([1]).
فالصوم له وظيفة إيجابية في استقرار النفس وعدم تشوفها للمعصية أو انشغالها بالشهوة عن الغاية الحقيقية.
فالحكمة من الصوم أصبحت واضحة وهي مرتبطة به ارتباطا وثيقا، فليس الصوم امتناعا عن الطعام والشراب بغية تعذيب الصائم وتحمله المشقات، فالمشقة في الصوم غير مقصودة بنفسها، وإنما المراد بها أن تكون وسيلة لتحقيق حكمة الصوم، قال العلامة البيضاوي( ت 685هـ): ” ليس المقصود من شرعية الصوم نفس الجوع والعطش بل ما يتبعه من كسر الشهوات وتطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة” ([2]) ولتحقيق تلك الحكمة كان لا بد من ترغيب وترهيب، فالصائم تغفر له ذنوبه وتضاعف حسناته، بل الأععظم من ذلك أن الله تعالى كفيل بمجازاته، كما جاء في الحديث القدسي الصحيح: (( الصيام لي وأنا أجزي به)) ([3]) ، والفريضة في رمضان تعدل سبعين فيما سواه، والنافلة تعدل فريضة كما جاء في أحاديث أخرى، فهذا ترغيب بالصوم وبيان لثوابه وفضله.
أما جانب الترهيب فقد ورد فيه:
- (( ربَّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع)) ([4]) .
- (( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)) ([5]).
فهذا التحذير والتأكيد له غاية ، ذاك أن المراد من الصوم حقيقته وآثاره على السلوك والأخلاق وثمراته على النفس والروح، فيراد للصوم أن يكون وسيلة تغيير، وكيف يمكن لنا أن نقوم سلوك الصائم وأثر الصوم في نفسه ؟ ليس أمامنا إلا سلوكه الظاهر، فإذا صام وامتنع عن الطعام والشراب والشهوة لا يمكن الكشف عن إخلاصه وصدقه في ذلك إلا من خلال سلوكه وتصرفاته مع الآخرين، وقد بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم وسيلة من وسائل الاختبار يمكن أن تكون نموذجا يقاس عليه فقال: (( إذا كان يومُ صومِ أحدكم فلا يرفثْ ولا يصخب ، وإن شاتمهُ أحد أو قاتلهُ فليقلْ: إنِّي صائم)) ([6]). معنى ذلك أن الصوم الكامل يعرف في الشدة وفي النزاع وفي المواقف الصعبة التي يختبر بها صبر الرجال ، فالصائم المسترخي في بيته أو نائم لا يمكن أن تعرف آثار الصوم عليه، أما الذي يخرج ويعمل ويتحمل أذى الناس ويصبر عليهم ويحسن للناس ولا يجهل أو يتكلم الفحش من القول فهذا يستحق لقب الصائم ، فصومه مقبول لأنه حقق حكمة الصوم، هو ناجح بالاختبار كما أنه استفاد من مدرسة الصوم وأفاد غيره، فإذا شاتمه أحد قال في نفسه إني صائم ليعظ نفسه، وقال لمن شاتمه ذلك ليؤثر فيه ، فالصوم جرعة إيمانية لها آثار على السلوك والأخلاق، ويبعث في نفس الصائم قوة وعزيمة وإرادة، فينتصر على نفسه أولا ويطوعها، وثانيا يصبح مهيئا للانتصار على عدوه، وتاريخ الإسلام يشهد للمسلمين بالنصر في أيام رمضان، وهذا معلوم من تاريخهم وغزوات النبي صلى الله عليه وسلم وفتوحات المسلمين ومعاركهم.
فالمسلم لو ضغف أمام نفسه وعجز عن كبت شهواته فهو أضعف من أن يكون قادرا على العطاء والبذل والنصر، فالعلاقة في ذلك واضحة وجلية، فالاستجابة لرعونات النفس وأهوائها يهلكها ولا يربي الإنسان السوي القادر على حمل رسالة الإسلام وتحمل مسؤوليات الدعوة، فكان منهج الإسلام في الإصلاح يبدأ بالنفس لتخليتها من الأخلاق السيئة ومن ثم تحليتها وتهذيبها وتربيتها وتعويدها على الأخلاق والفضائل الحسنة . وقد سمى القرآن ذلك تغييرا للنفس ، فقال: } إن الله لا يغيِّر ما بقوم حتى يغيِّروا ما بأنفسهمْ{. ( الرعد 11).
إذًا الصيام منهج تغيير من داخل النفس، ومن ثم هو تعديل في السلوك كما يعبر علماء النفس، ولتعديل هذا السلوك وضعوا عدة طرق فأصبح لكل طريقة مدرسة لها أتباعها ينظرون لها ويدافعون عنها، نعرض لذلك بالتفصيل ثم نتكلم عن الصوم كوسيلة للتغيير([7]):
· النظرية السلوكية: وهي تهتم بالسلوك الظاهر القابل للملاحظة والقياس ويقول أصحابها: إن المتعلمين متماثلون إلى حد كبير، والظروف التعليمية هي التي تتغير ، فيجب التركيز على ضبط البيئة التعليمية( معلم – برامج- مناهج-تقنيات) فهذه هي التي تؤثر في السلوك،وقد نظَّر لهذه النظرية( بافلوف – ثور ندايك – واطسن كيللر- كارول- بلوم -سكنر).
· النظرية الإنسانية: وهي تركز على الخصائص والسمات الشخصية للمتعلم نفسية كانت أو اجتماعية أو أخلاقية أو عاطفية أو قيمية، وتهتم ببناء الثقة والعلاقة الدافئة بين المعلم والمتعلم، فتنظر إلى الحاجات والانفعالات والاتجاهات والاهتمامات والميول.
وأهم المنظرين لها( ابراهام ماسلو- كارل روجرز- اتكنسون- ماكليلاند- واينر-سترنبرغ).
· النظرية المعرفية: وهي تركز على النشاط النفسي العقلي الداخلي وما يتصل به من قدرات وحاجات ودوافع، وتقوم على : ضبط الانفعالات- التعزيز الداخلي- التقويم- ضبط الفهم- القراءة والاستطلاع، وأهم المنظرين لها( كوفكا- كوهلر- ألبرت، بياجيه- برونر- غاليرن- لوريا- أليس).
فهذه أشهر نظريات تعديل السلوك ، كل واحدة توجه اهتمامها إلى جانب من جوانب الإنسان ، ولو أردنا أن ننظر إلى الإنسان ككل متكامل فلا بد من مراعاة جميع جوانبه الظاهرية والباطنية، ولكن الإسلام أولى اهتماما خاصا بالنفس والباطن، ذلك أن مبدأ التغيير والمؤثر الأساسي هو باطن الإنسان نفسه، وفكره وعواطفه، فهذه كلها تحتاج للتوجيه والتهذيب، والسلوك الظاهري يمكن أن يكون ثمرة لما في داخل الإنسان، والصيام وسيلة تغيير تنطلق من داخل الإنسان، فالنفس ليس جامدة لا تقبل التغيير؛ بل هي جوهر مرن يمكن التأثير فيه ومن ثم يكون وقودا يحرك الجوارح الظاهرة، ولو كانت النفس ثابتة جامدة لما نفعت دعوات المصلحين والمربين ولما كانت هناك حاجة لبعثة الرسل والأنبياء.
وقد ذكر لنا القرآن نماذج عن النفوس البشرية وهي متفاوتة فيما بينها، فهناك النفس اللوامة ، والنفس الأمارة بالسوء ، والنفس المطمئنة، وليست هذه النفوس متساوية أو ثابتة، بل يمكن لها أن تتغير فتترقى وتصبح نفسا طيبة، أو تكون نفسا خبيثة كما وصفها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: (( يعقد الشيطانُ على قافية رأسِ أحدكم إذا هو نام ثلاثَ عقد يضربُ على كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد، فإنْ استيقظ فذكر الله انحلَّت عقدة، فإن توضَّأ انحلَّتْ عقدة، فإن صلَّى انحلت عقدة؛ فأصبح نشيطا طيبَ النفس، وإلا أصبح خبيثَ النفس كسلان)) ([8]).
فغاية الصوم أن تكون النفس طيبة وأن لا تكون خبيثة، أن يرتقي بها من نفس أمارة بالسوء إلى لوامة تلوم صاحبها على المعصية إلى مطمئنة بالطاعة راضية عن الله مرضية عنده، ولكن كيف يحقق الصوم ذلك؟
من المعلوم أن الغذاء هو الأساس المادي الذي يتشكل منه جسد الإنسان، فالامتناع عن الطعام والشراب لفترات محدودة ومنظمة يضعف الجانب الجسدي ويضعف شهوة الإنسان فيصبح قادرا على ضبط النفس وحجز شهواته فلا يستجيب لرعونات نفسه وأهوائه المنحرفة بل يتسامى ويضمن لنفسه الترقي والتحلي بالفضائل، فالشهوات والرغبات إذا لم تبتعد عن ساحة التفكير تهجم على القلب وهو مرآة المسلم فتحجبه عن النور وتشكل أغلفة وأغطية تضرب عليه نطاقا كثيفا من الظلام والغلظة، والإنسان طالما أنه خاضع لأهواء نفسه مستسلم لشهواتها فهو مشغول عن روحه وقلبه فتتجمع هذه الأهواء والشهوات كأنها بخار أو ستار يحجب عنه أنوار الهداية، وقد عبر القرآن عن ذلك الحجاب بالران فقال:} كلاَّ بلْ رانَ على قلوبهمْ ما كانوا يكسبون{. (المطففين: 14).
فالصوم يخترق تلك الحجب ويساعد في كشف الران والأغشية، فتتجلى مرآة القلب ، ويظهر الجانب الروحي وتكون له القيادة والتأثير في السلوك الظاهر.
فمجاهدة النفس بالصوم ليست مضرة، بل هي نافعة ، تعيد التوازن لنفس المؤمن وتوقظه من غفلته وتبعث في نفسه القوة والعزيمة، وأبلغ تعبير عن ذلك ما عبر به النبي صلى الله عليه وسلم: (( الصيامُ جُنَّة)) ([9]) أي وقاية وحماية للنفس وسترة للصائم.
فكلما جاهد الصائم نفسه ازداد قوة ونشاطا وسمى بها، وكلما تقاعس واستسلم وركن إلى الراحة وميول النفس جذبته إلى أسفل، فأضعفت إرادته وجعلته أسير الهوى.
وقد حكى أحد العلماء المحدَثين أنه كان مغرما في طفولته بجمع الشرانق( شرانق الفراش) ومراقبة خروج الفراشة منها في الربيع ، وكان جهادها في التخلص من سجنها يثير عطفه دائما، قال : فأتى والدي يوما بمقص وأعمله في غلاف الحرير المطبق على الفراشة وساعدها على الخلاص، ولكنها ما لبثت قليلا حتى ماتت ، وعندئذ قال لي والدي: يا بني إن الجهد الذي تبذله الفراشة لتخرج من الشرنقة يخرج السم من جسمها وإذا لم يخرج هذا السمُّ ماتت الفراشة، وكذلك الناس إذا جهدوا في سبيل ما يريدون زادوا قوة وعزما، ولكن إذا واتاهم ما يريدون سهلا غلب عليهم الضعف ومات فيهم شيء جليل خطير([10]).
فالصوم كما تقدم عبادة قبل كل شيء وهو أيضا دواء وعلاج ، لا يقضي على الحاجات الضرورية في الإنسان بل يهذبها وينظمها.
([1]) أخرجه البخاري ومسلم، البخاري: كتاب النكاح، باب قول النبي من استطاع منكم الباءة فليتزوج. مسلم: كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه.
([6]) أخرجه البخاري ومسلم: البخاري: كتاب الصوم، باب هل يقول إني صائم إذا شتم، مسلم: الصيام، باب حفظ اللسان للصائم.
([7]) من محاضرة للأستاذة الدكتورة أمل أحمد ألقتها في دورة التأهيل للمدرس الجامعي في كلية التربية جامعة دمشق 2004م.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























