عيد الأم بين العادة والتعظيم

كتبهاابراهيم الديبو ، في 8 آذار 2007 الساعة: 07:00 ص

يوم الأم عادة تكريم لا يوم تعظيم

جرت عادة الشعوب على تخصيص يوم للأم سموه بعيد الأم يحتفي به الأبناء بأمهاتهم ويقدمون لهن التهاني والهدايا ، ويختلف كل شعب عن الآخر في العادات والتقاليد والطقوس التي تجري في هذا اليوم وإن اتفقوا في الغاية، وقد سرت هذه العادة إلى بلادنا العربية واختير يوم الحادي والعشرين من آذار يوما للأم، وكانت البداية دعوة من مصطفى أمين وأخيه علي أمين المفكرَين والصحفيَّيْن المصريين، وكتب مصطفى أمين كتابه " أمريكا الضاحكة " ونقل عادة الأمريكيين في الاحتفال بعيد الأم وتمنى أن تنقل هذه العادة إلى بلادنا، وقد حرك في نفسه الدعوة ما سمعه من امرأة جاءت تشكو إليه عقوق أبنائها ، وقال بأنها قدمت لهم كل شيء حتى تعلموا ودخلوا الجامعات وتخرجوا ثم تزوجوا ، فكان جزاؤها أن فارقوها دون أدنى وفاء أو اعتراف بالفضل وأداء للحق، فرأى أن الأم التي أكرمها الإسلام تحتاج ليوم يخصص للاحتفال بها وتكريمها ، وقد اقترح هو وأخوه على القراء أن يكون هناك عيد للأم ، وقد لقي هذا الاقتراح مباركة الكثيرين ولم يخل من بعض المعارضين، فكانت البداية ، وجرت العادة بالاحتفال في يوم الحادي والعشرين من آذار بالأم، ثم أصبح في عام 1956م هذا اليوم عيدا رسميا له عاداته وطقوسه وانتشر في البلاد العربية والإسلامية بعد ذلك.
وإذا أردنا أن نتكلم عن هذا اليوم فلا بد أن نتكلم عن الأسباب التي نشأ عنها في بيئة غير بيئتنا، في ثقافة الشعوب التي لا تجد في تراثها مبادئ سامية وأحكاما تكرم الأم وتحتفي بها، فهي عادة أرادوا بها التكريم ولكنهم أساءوا للأم وقصروا تكريمها على يوم من الأيام وعلى بعض الكلمات أو الهدايا التي تقدم في يوم الأم، انشغلوا عنها سائر العام وخصوها بيوم، مرض استشرى بينهم أرادوا أن يعالجوه، رأوا أن الأم امتهنت وانقطع دورها بعد أن ولدت وربت واقتصر دورها على نفسها، ثم رأوا أن الأمر قد زاد وأن العقوق استشرى بين الأبناء للأمهات فأرادوا أن يذكروا بهذا اليوم بتضحيات الأم التي تستحق التكريم.
المسلم عندما يريد أن يحتفل بالأم يوما واحدا ثم ينساها سائر العام هو أقرب إلى تلك الثقافات الغربية وإلى البيئات التي فقدت قيمها الروحية في زحمة الحياة المادية، فالإسلام يكرم الأم ليس كواجب اجتماعي بل واجب ديني ويأمر المسلم ببرها في كل أوقاته وفي جميع أحواله، ومن القصص التي تؤكد نظرة الغرب للأم، ما ذكره أحد أبناء وطننا المقيمين في ألمانيا ، فقد سمع أن امرأة كبيرة قد توفيت في بيتها، ولم يعرف أحد بموتها إلا بعد أسبوع، فأول ما نسمع هذا الخبر نظن أنها امرأة لا ولد لها ولا قريب ، ولكن تبين أنها من عائلة معروفة ولها أبناء وبنات يعيشون في نفس البلدة التي تعيش فيها، ولكن كل واحد منهم اشتغل بنفسه ونسي أمه فتركوها تعيش في منزل وحدها تعاني من الوحدة والمرض لا يتصلون بها إلا في المناسبات ولا يزورونها إلا في أصعب اللحظات أو في عيد الأم، ووقع ما وقع وهم بعيدون عنها لم يسمعوا بالخبر إلا بعد مضي أسبوع ، عانت المرض وحدها ثم فارقت الحياة ولا تبصر أحدا من أبنائها حولها ، ومن الغريب أن الذي أخبر الناس بموتها هو بائع اللبن الذي تعود أن يمر إليها كل يوم أو يومين ليضع لها اللبن أمام البيت، وقد شعر بالغرابة عندما رأى أن اللبن الذي تركه ولأكثر من مرة بقي أمام البيت ليس هناك من يأخذه، فظن أنها مسافرة، وبعد مضي أسبوع خطر بباله أن المرأة ربما توفيت فأخبر الجيران الذين لم يطلعوا على شيء بعد، فدخلوا الشقة ووجدوها ممددة فارقت الحياة بهدوء دون أن يشعر بها ابن أو جار أو صاحب، ولعل أحدنا يسأل هل يمكن أن تمضي هذه المدة كلها ولا يتصل بها أبناؤها وهي مسنة ومريضة، نعم هذه طبيعة الحياة المادية، ألهت الناس عن أمهاتهم وآبائهم، جعلت يوما للأم وفرطت في سائر الأيام، اختزلت حق الأم وتضحياتها في يوم.
فإذا كان المراد لهذا اليوم أن يكون يوما نختصر فيه معاني البر والوفاء في هدية تقدم أو كلمة تقال فبئس ما صنعنا ، أما إذا كان هناك يوم نزيد فيه برَّنا ونذكر فيه بحقوق الأم وبمكانة الأم تتويجا لسائر أيام السنة فهذا من العادات التي يمكن أن يتسع لها فقهنا وشريعتنا، وقد روى الإمام أحمد بإسناد حسن عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال كان عبد الله بن رواحة إذا لقي الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : تعال نؤمن بربنا ساعة ، فقال ذات يوم لرجل فغضب الرجل فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ألا ترى إلى ابن رواحة يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يرحم الله ابن رواحة إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة"
فابن رواحة رضي الله عنه لم يرغب عن إيمانه بساعة يجلسها يجدد فيها إيمانه ثم يرجع إلى غفلة ولهو، بل كان ذلك دليلا على كمال إيمانه وحبه للخير والتزود من الطاعات، وكذلك المؤمن الذي يعيش حياته مع والديه بالبر والإحسان، ثم يعبر عن مزيد حبه ووفائه لهما بأن يقدم لهما أو لأحدهما هدية ، وأن يخصص يوما لذلك فهذا من العادات ويأخذ حكمها، ومن الخطأ أن نصور المسألة على أنها عيد كأعياد الإسلام المعروفة، أو أنه اختراع في الدين وتعظيم ليوم خاص وتقليد للكافرين بما هو من خصوصياتهم، فليس عندنا ابتداع لعيد جديد يضاف إلى أعياد المسلمين، وقد دخل اللبس إلى بعض المنتقدين وحاولوا أن يسقطوا كل الأحاديث الواردة في البدعة على هذه العادة ، أقول هذه العادة ، أي هي عادة وليست عبادة ، ليست بدعة في الدين أو إدخال أمر ليس منه لمضاهاة أحكام الشريعة ومناقضتها ، فلا حرج أن نسميه يوم الأم لا عيد الأم، وأن نحكم عليه من خلال ما يرتبط به من مصالح أو مفاسد كما هو شأن سائر العادات، فالعيد له معنى شرعي عندنا ويرتبط بعبادة، وهو تشريع له أحكامه وخصوصياته التي لا يشاركه بها أي يوم من أيام السنة، فهو يأتي خاتمة عبادة ولا يجوز فيه الصوم، وهو يوم فرح وسرور وذكر لله تعالى وتوسعة على الأهل والأولاد وشعور بالفقير ومواساة للمحتاجين.
فالمسلم لا يعادي العادات التي يجد في شرعه ما يحض عليها ويؤكدها كما أنه لا ينساق لعادات تهدم أصلا من أصول دينه أو حكما من أحكام شريعته، فلا يمكن أن نقبل بأن يكون يوم الأم كعيد الأم عند الغربيين، بل كل الأيام عندنا هي أيام بر للأم وإحسان لها ، ولا مانع أن نخص يوما بمزيد من التكريم والبر، يقول الدكتور عبد الفتاح عاشور ( من علماء الأزهر ) : الاحتفال بأيام فيها تكريم للناس , أو إحياء ذكرى طيبة لم يقل أحد بأن هذا احتفال ديني , أو عيد من أعياد المسلمين , ولكنه فرصة لإبداء المشاعر الطيبة نحو من أسدوا لنا معروفاً , ومن ذلك ما يعرف بالاحتفال بيوم الأم , أو بعيد الأم , فإن الأم لها منزلة خاصة في دين الله ، بل في كل دين , ولذلك يجب أن تكرم وأن تحترم وأن يحتفل بها , فلو اخترنا يوماً من أيام السنة يظهر الأبناء مشاعرهم الطيبة نحو أمهم وأباهم لما كان في ذلك مانع شرعي، وليس في هذا تقليد للغرب أو للشرق , فنحن نحتفل بهذا اليوم بما لا يخالف شرع الله بل بالعكس نحن ننفذ ما أمر الله به من بر الوالدين والأم على وجه الخصوص , فليس في هذا مشابهة ولا تقليد لأحد، ويقول الدكتور محمد إسماعيل بكر : إن عيد الأم هو من بدع العادات لا من بدع العبادات , وبدع العادات لا يأمر بها الإسلام ولا ينهى عنها إلا إذا كانت تتصل بالدين من قريب أو من بعيد , فإذا كانت هذه العادات تُعبّر عن الوفاء والاعتراف بالجميل وتدعو إلى البر والإحسان إلى من يستحق البر والإحسان كالأم والأب ومن في حكمهما كالجدة والجد , فإن الإسلام يبارك هذه العادات ويقرها، أما إذا كانت هذه العادات تعبر عن الضد من ذلك أو يترتب على فعلها ما يعيبه الإسلام ونهى عنه كالإسراف والتبذير والعبث واللهو واللعب والتفاخر , فإن الإسلام ينهى عنه ويُحذر منه , وقد كان للعرب عادات بعضها أقرها الإسلام على ما هو عليه وبعضها نهى عنها وحذر منها , وبعضها أقره مع التعديل..( كلام الشيخ عاشور والدكتور بكر نقلا عن صحيفة صوت الحق والحرية من صفحتها الإلكترونية على الإنترنت).
فهذا اليوم نتوج به برنا لوالدينا وللأم خاصة، ونذكر أنفسنا ببر الوالدين وندعو إلى مزيد من الوفاء لمن كانت سببا من أسباب الحياة، ونجلي ما عندنا من تكريم ، فقد جعل الإسلام تكريم الأم واجبا شرعيا لا واجبا اجتماعيا، واجبا مستمرا لا واجبا مؤقتا، ومن أعظم ما يؤكد هذا المعنى أن القرآن قرن الإحسان للوالدين بعبادة الله وطاعته في أربعة مواضع من القرآن، ومنها ما جاء في سورة الإسراء:
قال تعالى : { وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً }. (الإسراء: الآية 23-24).
ومما ترشد إليه الآية:
- تكريم الوالدين في الإسلام يرتبط بعبادة الله تعالى، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن المسلم الذي يعبد الله تعالى حياته كلها يبر والديه الحياة كلها.
- أن المسلم يزيد من إحسانه ورعايته لوالديه في سن الكبر، ولذلك معنى لطيف ، فالأب والأم إذا كبرا وانقطعت صلتهما بالسعي وجدا حاجة أكبر للعناية والبر خاصة من الأبناء.
- مراعاة أحوالهما وعدم التسبب في إيذائهما ولو بكلمة أف.
- إظهار البر بهما والتذلل لهما والرحمة لهما.
- الدعاء لهما بالرحمة جزاء ما قدما من خير وأسديا من معروف.
وهذا التكريم يكون للوالدين وليس للأم فحسب، وقد جاءت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لتؤكد هذا المعنى، روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال جئت أبايعك على الهجرة وتركت أبويَّ يبكيان، فقال ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما ". وروى مسلم وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد فقال أحي والداك قال نعم، قال ففيهما فجاهد " .
وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم على حق الأم خاصة ، فهي التي تحمل وترضع وتربي، لذلك خصها بمزيد من البر، روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك ، قال ثم من؟ قال: ثم أمك ، قال: ثم من ؟ قال: ثم أمك ، قال: ثم من ؟ قال: ثم أبوك"، وروى ابن ماجه والنسائي عن معاوية بن جاهمة أن جاهمة بن عباس بن مرداس السلمي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك فقال هل لك من أم قال نعم قال: الزم رجلها فثمَّ الجنة ".
فهل هناك احتفال أو احتفاء بالأم يعدل هذا التكريم من الله تعالى ورسوله، لذلك نرى أن أعظم ما نقدمه للأم أن نجلي ما عندنا من قيم وأن نرسخ المعاني الحقيقية التي دعانا إليها إسلامنا من بر بالوالدين وبالأم خاصة.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر