الفرحة بمولد النبي صلى الله عليه وسلمبين الفطرة والدليل الشرعي

كتبهاابراهيم الديبو ، في 30 آذار 2007 الساعة: 13:06 م

الفرحة بمولد النبي بين الفطرة والدليل الشرعي

 

الحب عاطفة وميل له حقيقة وثمرات، فحقيقة المحبة ترجع إلى الميل إلى ما يوافق المحب، ومن أعظم ثمراتها الاتباع، وهناك آثار أخرى وراء الاتباع ككثرة ذكر من يحب، والاشتياق إليه وزيارته والسؤال عنه ، وإكرامه وتعظيمه وتغير الحال عند ذكر اسمه ، والدفاع عنه وحفظ غيبته والحزن على فقده .

 وإذا كانت حقيقة الحب ميل إلى ما يوافق المحب فلهذا الميل أسباب فطرية ترجع إلى ثلاثة:

أولا: الاستلذاذ بإدراك الحس للصورة الجميلة والشكل الحسن والأصوات الحسنة والأشربة والأطعمة اللذيذة وأشباهها مما يميل إليه كل طبع سليم لموافقة واستلذاذ، فالله جميل يحب الجمال ، والنفس البشرية تحب ذلك وتأنس به.

ثانيا: الاستلذاذ العقلي والقلبي وهو يتعلق بالمعاني الشريفة كمحبة أهل الفضل وأهل الكرم وأصحاب المروءة ، فاللذة في هذه الحالة ليست لشكل حسن أو لون حسن بل بالمعنى اللطيف الذي يحمله المحبوب والمعاني الذهنية التي يحملها، وذلك كقولهم فلان خفيف الظل وطيب القلب وجميل الروح وحسن الأخلاق.

ثالثا : التعلق بأهل الإحسان لجهة منفعتهم وإنعامهم ، قال ابن مسعود رضي الله عنه: " فطرت القلوب على حبِّ من أحسن إليها "، فالطفل يتعلق قلبه بمن يقدم له العطف والحنان، والعامل يتعلق قلبه بصاحب العمل الذي يكرمه ويحسن إليه ويقدر أحواله ويعذره في تقصيره، ويعطيه فسحة من الراحة، والمريض يأنس بالطبيب الذي ينقذ حياته ويضمد جراحه ويخفف آلامه، والمتهم يحب القاضي الذي أظهر براءته وأطلق حريته.

كل سبب من هذه الأسباب يجعل الإنسان ينساق إلى حب صاحبه، فقد يتعلق المرء بصورة جميلة، أو بمعنى لطيف، أو صاحب فضل ومنة، فكيف إذا كان المحبوب أهلا لكل تلك الصفات.

فأسباب الحب كلها جمعت للنبي صلى الله عليه وسلم ، ففي شهر ربيع الأول ، وفي فصل الربيع، أجمل الفصول وأعدلها كانت ولادته ، واختيار الشهر والفصل فيهما تنويه بقدر النبي الكريم وبشرى بولادته وأنه رحمة للعالمين، فظهرت الخيرات للإنسان بيوم ولادته كما تظهر خيرات الأرض في فصل الربيع، ويأنس الناس به ويستبشرون بقدومه كما يستبشرون بنسمات الربيع وخيراته، ويستعد الناس لاستقبال الهداية وانشراح صدورهم واطمئنان نفوسهم كما تنشرح برؤية النبات الأخضر الذي يكسو الأرض والورد الملون الذي يزينها.

ومن بشارات مولده ما جمعه الله من الفضل له في أسماء مربيه، فالوالدة آمنة وفيها الأمن ، والقابلة الشفَّاء يتفاؤل باسمها، والحاضنة بركة أم أيمن وهي نماء وبركة ويمن، والمرضعة ثويبة وفيها الثواب وحليمة السعدية وفيها الحلم والسعد.

 فالخير والسعد، والأمان والشفاء، والبركة واليمن ، والبشرى والنور اجتمعت كلها في مولد النبي صلى الله عليه وسلم، فتزينت الأرض لقدومه، وأضاء الكون بمولده:

- لمَّا استهلَّ المصـطفى طالـعًا           أضاء الفضا من نوره الساطع

- وعطَّر الكونَ شذى عطره الطـ        يب من دان ومـن شـاسـع

- ونادت الأكوانُ مـن فــرحة         يـا مرحبـا بالقـمر الطـالع

 ومن عناية الله تعالى لنبيه أنه جمَّل خَلقه وخُلقه وحسَّن هيئته وأكمل صورته، فكان لسان حال من رآه " ما رأيت مثل حسنه قط" ، ومن خالطه وعرفه عجز عن وصفه لكمال حسنه وعظيم خُلقه،، كما وجد في قلبه حبا له لا يدانيه حب ولد أو والد، ودواعي الحب له كثيرة، لو وجد بعضها في أي بشر لتعلقت به القلوب فكيف بمن جمع الله له المحامد كلها والمحاسن جميعها.

والنفس البشرية فطرت على حب الجمال والتطلع للكمال، فكان من أبسط القواعد الأخلاقية التي حض عليها الإسلام أن نعترف بالفضل لأهله، وأن نكافئ من أحسن إلينا وأن نشكر من كان سببا في خير أو فضل أو كرامة، روى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : " من لا يشكر الناس لا يشكر الله" ، وفي حديث أبي داود عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: " … ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه "، فكم من فضل قدمه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكم كان يحمل في قلبه من حب وحرص ورحمة للناس جميعا، قال تعالى: ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)( الأنبياء: الآية 107)، وقال البوصيري:

فإن فضلَ رسول الله ليس له حدّ فيعربَ عنه ناطق بفمِ

مع كل هذه الأسباب الفطرية التي تدعونا إلى الحب للرسول صلى الله عليه وسلم والتعبير عن ذلك بطرق مشروعة فطرت عليها قلوب المحبين، نجد في شهر ولادته من يعيد لأذهاننا فتاوى بعض العلماء عن المولد وبدعية المولد وتحريم الاحتفال بيوم المولد ، وعلى الطرف المقابل رأينا من تأخذه الحمية ليرد على تلك الفتاوى ويلتمس في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وسنته ما يدل على شرعية الاحتفال، كل ذلك في جو مشحون يتبادل فيه الطرفان الاتهامات ، ويريد كل صاحب رأي أن يبعد نفسه عن البدعة والابتداع ويدلل على الاتباع والاقتداء.

ولكن فلنسأل أنفسنا هل نحن بحاجة لدليل على أن الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والاحتفال بمولده من الأمور المشروعة، أليس ذلك نقاشا في البدهيات، ما علاقة ذلك بالبدعة كمفهوم شرعي ، فهل نحتاج إذا فرحنا بالمولود أن نطلب دليلا على أن الفرحة جائزة، وإذا أكرمنا صاحب فضل أن نلتمس دليلا من الشرع، وإذا أحب الرجل زوجه وولده وأمه وأباه نطالبه بالدليل الشرعي، نحن أمام قواعد فطرية وشرعية عامة، فحب النبي واجب على كل مسلم، وإن اختلفت طرق التعبير عن هذا الحب، من صلاة عليه أو قراءة سيرته أو نظم الشعر أو الاجتماع لسماع مديحه وذكر صفاته، فلم يخل عصر من ذلك، وربما تظهر طرق جديدة في التعبير، فلو اجتمع الشعراء في يوم مولده لقراءة قصائدهم التي نظموها في شمائله وصفاته هل نعد ذلك بدعة، ولو اجتمع العلماء في يوم مولده لنشر فضائله بين الناس هل نتهمهم بالبدعة ولو أقيم معرض للكتب التي تتكلم عن سيرته وفضائله وأخلاقه هل نمنع ذلك ونؤثم أصحابه، لقد آن الأوان لأهل العلم والفضل أن يقولوا كلمتهم، وأن يتجاوزوا تلك الفتاوى الضيقة التي عرف أصحابها بظاهريتهم وتنزيلهم الأدلة على غير محلها، فالفطرة البشرية السليمة تحكم الناس جميعا، ولا معارض إليها من دليل شرعي خاص في مسألة الاحتفال بيوم مولده صلى الله عليه وسلم، وكل ما يذكر في هذا الموضوع أدلة عامة أراد المانعون أن يعارضوا بها الفطرة البشرية وأن يسدوا الباب أمام طرق صحيحة للتعبير عن الحب للرسول صلى الله عليه وسلم، فإنكار بعض المخالفات والمنكرات التي تقع في الاحتفال بيوم المولد ليس سببا كافيا لإلغاء الفرحة بيوم مولده، والحكم على من يحتفل به بالبدعة والاختراع في الدين، وللرد عليهم نجمل ذلك في:

الأول: أن الفطرة البشرية والجبلة الإنسانية تكرم كل من أحسن إليها، وهذا لا يخص المسلم فحسب بل هو قانون فطري بشري، لا يختلف بين شعب وآخر وثقافة وأخرى، فأصحاب الفضل يكرمون ، وأهل الفضل يحتفى بهم، ومن مظاهر الاحتفاء التعبير عن الفرحة قال تعالى: ( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) ( يونس: 58).

الثاني: هناك قواعد شرعية عامة بنيت أساسا على الأدلة ويستحضرها كل طالب علم دون أن يخوض في تفصيلها ونصها، فرسول الله صلى الله عليه وسلم حبه من الإيمان وهو أكرم الخلق وأشرفهم ، فحبه واجب وكل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فذكره وشكره ومدحه والاجتماع على قراءة سيرته والصلاة عليه وحفظ أحاديثه وذكر شمائله ، كلها أمور شرعية تحافظ على أصل الحب.

الثالث: إشارات نبوية تؤكد مشروعية الاهتمام بيوم مولده خاصة ، وبالحوادث التي وقعت للأنبياء السابقين تعبيرا عن رابطة الحب والتقدير للأنبياء عامة: روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أنه قال: سئل رسول اللهr  عن صوم يوم الاثنين، فقال: هذا يوم ولدت فيه وأنزل عليّ فيه " ، وروى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : "  قدم رسول الله  صلى الله عليه وسلم  المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسئلوا عن ذلك فقالوا: هذا اليوم الذي أظهر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون فنحن نصومه تعظيما له فقال النبي  صلى الله عليه وسلم: نحن أولى  بموسى منكم فأمر بصومها ". فإشارة النبي ليوم الاثنين على أنه يوم ولادته يدل على نوع من الاهتمام بهذا اليوم، واهتمامه بالعاشر من محرم وأمره بصيامه يدل على تعظيمه لهذا اليوم الذي نجى الله فيه موسى، ومن يحتفل بيوم مولده يعبر عن الاهتمام بيوم المولد .

رابعا: إشارات من حياة الصحابة أقرها النبي صلى الله عليه وسلم:  روى البخاري معلقا عن معاذ بن جبل " اجلس بنا نؤمن ساعة"، وفي مصنف ابن أبي شيبة : كان عمر يأخذ بيد الرجل والرجلين من أصحابه فيقول: " قم بنا نزدد إيمانا"، وروى أحمد بإسناد حسن عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان عبد الله بن رواحة إذا لقي الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " تعال نؤمن بربنا ساعة " ، فقال ذات يوم لرجل فغضب الرجل فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: ألا ترى إلى ابن رواحة يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:  " يرحم الله ابن رواحة إنه يحب المجالس التي تتباهى  بها الملائكة ". فالإيمان له حقيقة وهي الإيمان بالله تعالى وما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ، والله تعالى جعل اتباع النبي من الإيمان وحبه كذلك من الإيمان، قال تعالى: ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم) ( آل عمران: الآية 31) ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وولده والناس أجمعين " أخرجه البخاري ومسلم، وقال صلى الله عليه وسلم " وفي حديث صححه النووي عن النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به" ،  فالاجتماع على ذكر الله تعالى والصلاة على النبي والحض على الحب والاتباع كل ذلك من الإيمان، ولا يمكن القول بأن هذا الاحتفال لم يكن موجودا في زمن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وفي القرون الأولى، فنحن لا نتكلم عن طريقة واحدة في التعبير عن الحب، فالطرق كثيرة وقد تختلف إلا أنها كلها تنتظم تحت أصل الحب للنبي صلى الله عليه وسلم، وأصحاب النبي أنفسهم عبروا عن حبهم للنبي بطرق مختلفة نذكر بعضها:

- روى الإمام مسلم في صحيحه عن ابن شماسة المهري قال : "  حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت  فبكى طويلا وحوَّل وجهه إلى الجدار فجعل ابنه يقول: يا أبتاه أما بشرك رسول الله  صلى الله عليه وسلم  بكذا، أما بشرك رسول الله  صلى الله عليه وسلم  بكذا قال فأقبل بوجهه فقال: إن أفضل ما نعدُّ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، إني قد كنت على أطباق ثلاث: لقد رأيتني وما أحدٌ أشدَّ بغضا لرسول الله  صلى الله عليه وسلم  منِّي ولا أحبَّ إليَّ أن أكون قد استمكنتُ منه فقتلته، فلو مُتُّ على تلك الحال لكنت من أهل النار فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي  صلى الله عليه وسلم  فقلت: ابسط يمينك فلأُبايعْك، فبسط يمينه قال فقبضت يدي قال: مالك يا عمرو ؟ قال: قلت: أردت أن أشترط قال: تشترط بماذا ؟ قلت:  أن يغفر لي ، قال: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله ، وما كان أحد أحبَّ إلي من رسول الله  صلى الله عليه وسلم ولا أجلَّ في عيني منه وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه ولو مُتُّ على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة ، ثم وَلينا أشياء ما أدري ما حالي فيها …". فعمرو بن العاص رضي الله عنه يحكي موقفه من النبي صلى الله عليه وسلم قبل الحب وبعد الحب ، فبعد أن أحبه ما كان يملأ عينيه منه إجلالا له وما كان يقدر على وصفه.

-  وفي قصة عقد الصلح بين المسلمين والمشركين أرسل المشركون عروة بن مسعود ليفاوض النبي صلى الله عليه وسلم  فجعل يرمق أصحاب النبي  صلى الله عليه وسلم  بعينيه  فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم والله لقد وفدت على الملوك ، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي ، والله إن رأيت ملكا قط يعظِّمه أصحابه ما يعظم أصحابُ محمد  صلى الله عليه وسلم  محمدا والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم  فدلك بها  وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدُّون إليه النظر تعظيما له وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها .." رواه البخاري في صحيحه. فالصحابة من حبهم للنبي صلى الله عليه وسلم كانوا يتبادرون إلى وضوئه وإلى نخامته ولا يرفعون أصواتهم عنده ولا يحدون النظر إليه.

- وقال سعيد بن عامر رضي الله عنه شهدت مصرع خبيب وقد بضعت قريش لحمه ثم حملوه على جِذعة فقالوا: أتحبّ أن محمدا مكانك فقال: والله ما أحب أني في أهلي وولدي وأن محمدا شيك بشوكة ثم نادى: يا محمد ( راجع: صفوة الصفوة). فهل هناك أعظم في التعبير عن الحب من كلمات خبيب وهو على جذعة النخل وأمامه الموت، ولا يرضى لرسول الله أن يساء وهو بين أهله، ويذكر اسمه مع آخر نفس.

هذه صور المحبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، اختلفت في التعبير واجتمعت في المقصد والغاية.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “الفرحة بمولد النبي صلى الله عليه وسلمبين الفطرة والدليل الشرعي”

  1. موقع جميل

    ………………………

  2. أحم

  3. أكثر من المواضيع

  4. واكثر من القصص وغير ألوان المنتدى أحمر وأصفر



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر